فصل: قال الشنقيطي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الشنقيطي:

قوله تعالى: {هُوَ اجتباكم}.
أي اصطفاكم، واختاركم يا أمة محمد.
ومعنى هذه الآية أوضحه بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] الآية.
قوله تعالى: {وما جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ}.
الحرج: الضيق كما أوضحناه في أول سورة الأعراف.
وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أنها مبنية على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج. وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا.
وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ذكره جل وعلا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} [البقرة: 185] وقوله: {يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفًا} [النساء: 28] وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وابن عباس أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ خواتم سورة البقرة «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال الله قد فعلت» في رواية ابن عباس. وفي رواية أبي هريرة قال: نعم. ومن رفع الحجر في هذه الشريعة الرخصة في قصر الصلاة في السفر والإفطار في رمضان فيه، وصلاة العاجز عن القيام قاعدًا وإباحة المحظور للضرورة كما قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] الآية إلى غير ذلك من أنواع التخفيف والتيسير، وما تضمنته هذه الآية الكريمة والآيات التي ذكرنا معها من رفع الحرج، والتخفيف في شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، هو إحدى القواعد الخمس، التي بنى عليها الفقه الإسلامي وهي هذه الخمس.
الأولى: الضرر يزال ومن أدلتها حديث: «لا ضرر ولا ضرار».
الثانية: المشقة تجلب التيسير: وهي التي دل عليها قوله هنا {وما جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ} وما ذكرنا في معناها من الآيات.
الثالثة: لا يرفع يقين بشك، ومن أدلتها حديث: «من أحس بشيء في دبره في الصلاة وأنه لا يقطع الصلاة حتى يسمع صوتًا أو يشم ريحًا» لأن تلك الطهارة المحققة لم تنقض بتلك الريح المشكوك فيها.
الرابعة: تحكيم عرف الناس المتعارف عندهم في صيغ عقودهم ومعاملاتهم، ونحو ذلك. واستدل لهذه بعضهم بقوله: {وَأْمُرْ بالعرف} [الأعراف: 199] الآية.
الخامسة: الأمور تبع المقاصد، ودليل هذه حديث: «إنما الأعمال بالنيات» الحديث. وقد اشار في مراقي السعود في كتاب الاستدلال إلى هذه الخمس المذكورات بقوله:
قد أسس الفقه على رفع الضرر ** وأن ما يشق يجلب الوطر

ونفى رفع القطع بالشك وأن ** يحكم العرف وزاد من ظن

كون الأمور تبع المقاصد ** مع التكلف ببعض وارد

قوله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم}.
قال بعضهم: هو منصوب بنزع الخافض، ومال إليه ابن جرير: أي ما جعل عليكم في دينكم من ضيق، كملة إبراهيم، وأعربه بعضهم منصوبًا بمحذوف: أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم، ولا يبعد أن يكون قوله: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم} شاملًا لما ذكر قبله من الأوامر في قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 77- 78].
ويوضح هذا قوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي ربي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا} [الأنعام: 161] والدين القيم الذي هو ملة إبراهيم: شامل لما ذكر كله.
قوله تعالى: {هُوَ سَمَاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ وَفِي هذا}.
اختلف في مرجع الضمير الذي هو لفظ هو من قوله: {هُوَ سَمَاكُمُ} فقال بعضهم الله هو الذي سماكم المسلمين من قبل وفي هذا، وهذا القول مروى عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وعطاء، والضحاك، والسدي، من قبل وفي هذا، وهذا القول مروى عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وعطاء، والضحاك، والسدي، ومقاتل بن حيان، وقتادة. كما نقله عنهم ابن كثير. وقال بعضهم: هو أي إبراهيم سماكم المسلمين، واستدل لهذا بقول إبراهيم وإسماعيل {وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} [البقرة: 128] وبهذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، كما نقله عنهم ابن كثير. وقد قدمنا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. وجئنا بأمثلة كثيرة في الترجمة، وفيما مضى من الكتاب، وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب.
إحداهما: أن الله قال: {هُوَ سَمَاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ وَفِي هذا} أي القرآن، ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في القرآن، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما نبه على هذا ابن جرير.
القرينة الثانية: أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله، لا إلى إبراهيم فقوله: {هُوَ اجتباكم} أي الله وما جعل عليكم في الدين من حرج: أي الله هو سماكم المسلمين: أي الله.
فإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور للضمير المذكور: هو إبراهيم.
فالجواب أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه صارف، وهنا قد صرف عنه صارف، لأن قوله وفي هذا يعني القران، دليل على أن المراد بالذي سماهم المسلمين فيه: هو الله لا إبراهيم، وكذلك سياق الجمل المذكورة قبله نحو: {هُوَ اجتباكم وما جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ} يناسبه أن يكون هو سماكم: أي الله المسلمين.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية بعد أن ذكر: أن الذي سماهم المسلمين من قبل وفي هذا: هو الله، لا إبراهيم ما نصه:
قلت: وهذا هو الصواب لأنه تعالى قال: {هُوَ اجتباكم وما جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ} ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ملة إبراهيم أبيهم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر، وقديم الزمان في كتاب الأنبياء، تتلى على الأحبار والرهبان فقال: {هُوَ سَمَاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ} أي من قبل هذا القرآن.
وفي هذا روى النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام، أخبره عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من دعا دعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم، قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وإن صلى؟ قال: نعم وإن صام وإن صلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله» وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: {يَا أَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]. اهـ من تفسير ابن كثير.
وقال ابن كثير في تفسير سورة البقرة: إن الحديث المذكور فيه أن الله هو الذي سماهم المسلمين المؤمنين.
قوله تعالى: {لِيَكُونَ الرسول شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شهداء عَلَى الناس}.
يعني: إنما اجتباكم، وفضلكم ونوه باسمكم المسلمين من قبل نزول كتابكم، وزكاكم على ألسنة الرسل المتقدمين، فسماكم فيها المسلمين، وكذلك سماكم في هذا القرآن. وقد عرف بذلك أنكم أمة وسط عدول خيار مشهود بعدالتكم، لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، أن الرسل بلغتهم رسالات ربهم، حين ينكر الكفار ذلك يوم القيامة، ويكون الرسول عليكم شهيدًا، أنه بلغكم، وقيل: شهيدًا على صدقكم فيما شهدتم به للرسل على أممهم من التبليغ.
وهذا المعنى المذكور هنا ذكره الله جل وعلا في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شهداء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] وقال فيه صلى الله عليه وسلم {إِنَّآ أرسلناكَ شَاهِدًا} [الفتح: 8] الآية. والعلم عند الله تعالى. اهـ.

.قال الشعراوي:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}.
النداء في ضَرْب المثل السابق كان للناس كافَّة؛ لأنه يريد أنْ يَلفِت عُبَّاد الأصنام إلى هذا المثَل، ويُسْمعهم إياه. أمَا هنا فالكلام عن منهج ودستور مُوجَّه، خاصّة إلى الذين آمنوا، لأنه لا يُكلَّف بالحكم إلا مَنْ آمن به، أما مَنْ كفر فليس أَهْلًا لحمل هذه الأمانة؛ لذلك تركه ولم ينظم له حركة حياته. وكما قلنا في رجل المرور أنه يساعد مَن استعان به ووثق فيه، فيدلّه ويرشده، أما مَنْ شكَّ في كلامه وقلّلَ من شأنه يتركه يضل في مفترق الطرق.
فإذا ناداك ربك بما يكلفك به، فاعلم أن الجهة مُنفكّة، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ } [النساء: 136].
وقد اعترض على أسلوب القرآن في هذه الآية بعض الذين يأخذون الآيات على ظاهرها، يقولون: كيف يخاطبهم بيا أيها الذين آمنوا ثم يقول: آمِنوا، كيف وهم يؤمنون بالفعل؟
قالوا: المراد يا أيها الذين آمنوا قبل سماع الحكم الجديد ظَلُّوا على إيمانكم في الحكم الجديد، واستمِرّوا على إيمانكم؛ لذلك إذا طلبتَ شيئًا ممَّنْ هو موصوف به فاعلم أن المراد الدوام عليه.
كما أن هناك فَرْقًا بين الإيمان بالحكم وبين تنفيذ الحكم، فقد تؤمن بالحكم أنه من الله ولا تشكّ فيه ولا تعترض عليه، لَكِنك لا تنفذه وتعصاه. فمثلًا في الحج يقول تعالى: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } [آل عمران: 97] الذي لله تعالى على عباده أنْ يحجوا البيت {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلًا } [آل عمران: 97] وهذا شرط ضروري، فلا تكليفَ بلا استطاعة، ثم يقول: {وَمَن كَفَرَ} [آل عمران: 97]. فهل يعني هذا أن مَنْ لم يحج فهو كافر؟
قالوا: لا، لأن المراد: لله على الناس حكم يعتقده المؤمن، بأن لله على الناس حج البيت، فمن اعتقد هذا الاعتقاد فهو مؤمن، أما كونه ينفذه أو لا ينفذه هذه مسألة أخرى.
ثم يبدأ أول ما يبدأ في التكليف بمسألة الصلاة: {اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } [الحج: 77] لقد جاء الرسل من عند الله بتكاليف كثيرة، لَكِن خَصَّ هنا الصلاة لأنها التكليف الذي يتكرر كل يوم خمس مرات، أما بقية التكاليف فهي موسمية: فالصوم شهر في العام كله، والحج مرة في العمر كله لمن استطاع، والزكاة عند خروج المحصول لمن يملك النصاب أو عند حلول الحَوْل.
إذن: تختلف فريضة الصلاة عن باقي الفرائض؛ لذلك خَصَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَنْ تركها فقد كفر».
ويقول: «الصلاة عماد الدين».
وخصَّها الحق- تبارك وتعالى- بظرف تشريعي خاص، حيث فُرِضت الصلاة بالمباشرة، وفُرِضت باقي الفرائض بالوحي.
وضربنا لذلك مثلًا- ولله المثل الأعلى- قلنا: إن رئيس العمل يمكن أن يرسل لك ورقة يقول: افعل كذا وكذا، فإنْ كان أمرًا هاما اتصل بك تليفونيًّا، وأخبرك بما يريد لأهميته، فإنْ كان الأمر أهم من ذلك وجاء من جهة أعلى يقول لك: تعال عندي لأمر هام، ويُكلِّفك به مباشرة، وكذلك على حسب الأهمية يوجد ظرف التشريع.
فالصلاة لم تأت بالوحي كباقي الفرائض، إنما جاءت مباشرة من المُوحِي سبحانه وتعالى؛ لأنها ستكون صلة بين العبد وربه، فشاء أن يُنزّهَها حتى من هذه الواسطة، ثم ميَّزها على غيرها من التكاليف، فجعلها الفريضة التي لا تسقط عن المسلم بحال أبدًا. فقد تكون فقيرًا فلا تلزمك الزكاة، وغير مستطيع فلا يلزمك حج، ومريض أو مسافر فلا يلزمك صوم.
أما الصلاة فلا يُسقِطها عنك شيء من هذا كله، فإنْ كنت غير قادر على القيام فلك أنْ تُصلِّي قاعدًا أو مضطجعًا أو راقدًا، تشير بطرفك لركوعك وسجودك، ولو حتى تجري أفعال الصلاة على قلبك، المهم أن تظلّ ذاكرًا لربك متصلًا به، لا يمر عليك وقت إلا وهو سبحانه في بالك.
وقلنا: إن ذكر الله في الأذان والإقامة والصلاة ذِكْر دائم في كل الوقت لا ينقطع أبدًا، فحين تصلي أنت الصبح مثلًا غيرك يصلي الظهر، وحين تركع غيرك يسجد، وحين تقول: بسم الله الرحمن الرحيم. غيرك يقول: الحمد لله رب العالمين.. إلخ.
فهي عبادة متداخلة دائمة لا تنقطع أبدًا؛ لذلك يقول أحد أهل المعرفة مخاطبًا الزمن: يا زمن فيك كل الزمن. يعني: في كل جزئية من الزمن الزمن كله، كأنه قال: يا ظُهْر، وفيك العصر، وفيك المغرب، وفيك العشاء، وهكذا العالم كله يدور بعبادة لله لا تنتهي.
وذكر من الصلاة الركوع والسجود؛ لأنهما أظهر أعمال الصلاة، لَكِن الركوع والسجود حركات يؤديها المؤمن المخلص، ويؤديها المنافق، وقد كان المنافقون أسبق الناس إلى الصفوف الأولى؛ لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُميِّز هذا من هذا، فقال: {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } [الحج: 77].
فليست العبرة في حركات الركوع والسجود، إنما العبرة في التوجّه بها إلى الله، وإخلاص النية فيها لله، وإلا أصبحت الصلاة مجرد حركات لا تعدو أن تكون تمارين رياضية كما يحلو للبعض أن يقول: الصلاة فيها تمارين رياضية تُحرِّك كل أجزاء الجسم، نعم هي كما تقولون رياضة، لَكِنها ليست عبادة، العبادة أن تؤديها لأن الله تعالى أمرك بها.
ثم يقول تعالى: {وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77].